الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فالذي يظهر أن مجرد التلفظ بنية الإهلال بالحج مع عدم وجود القدرة عليه، أو العزم الحقيقي على الخروج إليه، يخشى على فاعله من الدخول في دائرة الابتداع؛ فمثل هذا لم يكن معهودًا عند الصحابة والتابعين ومن بعدهم، فإن الإهلال وغيره من أعمال الحج خاصة بمن يريد النسك دون سواه.
قال زكريا الأنصاري في أسنى المطالب: (ولينو) مريد النسك (الإحرام بما يريد) من حج، أو عمرة، أو كليهما، أو ما يصلح لشيء منها. اهـ.
كما أن الإهلال بالحج يصير به الإنسان محرمًا، ويجب عليه اجتناب محظورات الإحرام، ويجب عليه إتمامه؛ إلا في حال الإحصار والعذر.
وأما وجود العزم الصادق بالقلب على أداء فريضة الحج عند الاستطاعة، مع ما يصاحبه من إظهار الشوق، وعيش المناسك بالوجدان والأحاسيس، فهو أمر مشروع للمسلم، فله أن يتمنى فعل الخير، وأن يعزم عليه متى تحققت له الاستطاعة، فقد دلت نصوص الشريعة على أن المسلم إذا نوى العملَ الصالحَ، وعلم الله صدق نيته ولكنه عجز عن فعله لعدم قدرته، أو لوجود مانع يمنعه من العمل؛ فإنه يُكْتَب له أجرُ ما نوى، وإن كان لا يجزئ عن حجة الإسلام.
ومن ذلك ما رواه الترمذي عن أبي كبشة الأنماري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالاً وعلمًا فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقًا، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالًا فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان، فهو بنيته، فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً، فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقًا، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علمًا فهو يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، فوزرهما سواء.
ففي هذا الحديث أن صادق النية الفقير الذي لم يعمل بعمل الغني؛ له مثل أجره بسبب نيته الحسنة، وعزمه الأكيد على أن يعمل مثله لو كان قادرًا.
ومن ذلك أيضًا ما رواه البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع من غزوة تبوك، فدنا من المدينة، فقال: إن بالمدينة أقواما، ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم، قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة، حبسهم العذر.
ففي هذا الحديث أثبت النبي صلى الله عليه وسلم للعجزة المعذورين مثل أجر المجاهدين العاملين، بسبب حرصهم على الجهاد مثلهم لولا العذر.
قال ابن تيمية في (مجموع الفتاوى): المريد إرادة جازمة مع فعل المقدور هو بمنزلة العامل الكامل وإن لم يكن إماما وداعيا ... (ثم استدل بما) ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في غزوة تبوك: "إن بالمدينة رجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم. قالوا: وهم بالمدينة. قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر"، فأخبر أن القاعد بالمدينة الذي لم يحبسه إلا العذر هو مثل من معهم في هذه الغزوة. ومعلوم أن الذي معه في الغزوة يثاب كل واحد منهم ثواب غاز على قدر نيته، فكذلك القاعدون الذين لم يحبسهم إلا العذر.. اهـ. منه بتصرف يسير.
والله أعلم.